قراءة في مجموعة “طربوش جدي” القصصية للقاص ماهر منزلجي

القصة القصيرة وأدواء المجتمع

عامر هشام الصفّار

عن دار الحوار في لاذقية سوريا وفي عام 2017 صدرت الطبعة الأولى للمجموعة القصصية “طربوش جدي” للكاتب السوري ماهر منزلجي. والكاتب كما تقول سيرته كان قد درس الطب بجامعة القاهرة ثم تابع دراسة الأختصاص في بريطانيا وأقام فيها منذ ما يقرب من ثلاثة عقود. وكانت قد صدرت لمنزلجي ثلاث مجاميع قصصية أضافة الى مجموعته التي نحن بصددها هنا، كما أن له في القص القصير جدا مجموعة “أغراء” ومجموعة “تصفيق بيد واحدة” والتي كنت قد عرضت لها سابقا.

لقد جاءت المجموعة القصصية “طربوش جدي” بعشرين قصة قصيرة أختلفت في طولها وعدد كلماتها واحدة عن الأخرى، فجاءت المجموعة ب 185 صفحة من الحجم المتوسط وبغزارة سرد وفضاءات موضوعات وتعدّد شخصيات لم نستغربها على كاتب في جعبته الكثير مما يريد أن يحكيه ويقصّه على القراء.. وهذا الغنى الموضوعاتي أذا جاز التعبير عبر عنه أسلوب الأسترسال السردي خير تعبير وعبر قصص المجموعة جميعها.. والتي جاء أغلبها بضمير الغائب بلسان حال سارد عليم يعرف عن الشخصيات في القصص الكثير.. ويستشرف مستقبلها ومآلاتها.. ويضع الحلول أحيانا لمشاكلها ومعاناتها.. فالقصة عند منزلجي هي قصة صادمة.. محفزّة، مثيرة للقاريء.. وكأنها تطالبه بعد أن يقرأها ويطلع على تفاصيلها بموقف بعد تأمل.. كما أن المجموعة تركز على قصص العائلة والزوجات والأزواج.. وعادات المجتمعات الغربية من خلال المرأة وأنماط الحياة، وعليه لابد من أن تحضر الرموز والأشارات والتي تدل على الشخصية الرئيسة في القصة، حيث تتعلق هذه الشخصية بهويتها التي تراها طريق خلاص لها أحيانا..

ولي بعد ذلك أن أستعرض المجموعة بأختصار وهي تعنون لقصصها بعتبة عنوان واضحة لا لبس فيها مما قد يقتصر على كلمة واحدة مثل “أنصاف” و”فاليشكون” أو قد يتجاوز ذلك الى كلمتين كجملة فيها المبتدأ والخبر مثل “قهوة باردة” و “ليلة ماطرة” و “شراكة مرفوضة” وهكذا..

ثم أن مجموعة “طربوش جدي” أستقت عنوانها من أحدى قصصها التي جاءت بالترتيب ال 14 ضمن القصص العشرين للمجموعة لتحكي عن جدنا التاجر الطيب والذي لا يعرف لغة الأرقام والذي يحمّل حفيده أمانة ظن الحفيد أنه حملها معه حيث بيت الجد.. لتكون المفارقة في نهاية القصة.. دلالة عن رحلة الحياة وطريق الأجيال والحفاظ على الأمانات من جيل لآخر.. دون ضياع..

وقبل ذلك كانت في المجموعة قصص قصيرات تبحث  في الجريمة وأبعادها الأجتماعية، فجاءت قصة “هو.. وليس غيره” لتحكي عن زوج يقتل زوجته ليرتبط بحبيبته التي ضغطت عليه ليهنأ بمبلغ تأمين الزوجة على الحياة.. ولكن هيهات.. فالسر في نهاية القصة تلك التي جاءت على لسان بطلها السيد كولتون وحضر فيها أستذكار الرئيس الأميركي بيل كلنتون وصديقته مونيكا غمزا لا يغفل القاريء معناه..

وقصة “شراكة مرفوضة” تحكي عن ممرضة أسمها شيلا والتي تغار على زوجها حد قتله بعقار الأنسولين الذي تسرقه من المستشفى الذي تعمل فيه!.. وهي حبكة فيها نكهة القص عند أجاثا كريستي، ولو أن قص منزلجي جاء مركزا ومكثفا. ومما لا شك فيه فأن مثل هذا  الموضوع يمكن أن يكون مشروعا لرواية لو أراد القاص ذلك.

ولن نخرج عن هذا الجزء من مجموعة القص هذه وهو الخاص بقصص الجريمة في المجتمع الغربي حتى نقرأ قصة “كلمة من ثلاثة حروف” حيث يحاول الزوج قتل زوجته بالرصاص ليحاول الأنتحار بعد ذلك .. وما هذا الاّ لأنه يعاني كما يبدو من ضغط نفسي بسبب حالة الخرف التي تعاني منها الزوجة.. فلجأ الزوج الى الفعل الأجرامي، وكأني به مثل ذلك الزوج في الفيلم النمساوي “حب” لمخرجه مايكل هاينيكي ومثله الممثل الفرنسي جان لوي ترينتيان والذي قتل زوجته بأن وضع الوسادة على وجهها فقطع أنفاسها بعد أن اصيبت بجلطة الدماغ فأضمحلت شخصيتها كما عرفها.. !.

وفي جزء آخر من المجموعة القصصية نقرأ قصة “ليلة ماطرة” حيث رفيق السوري وهو يعود بذاكرته عبر “مجموعة صغيرة من أشياء هامة” الى مدن أرتحل أليها منذ زمن فراح ألى أسطنبول ولندن وروما والفاتيكان ..والى شخصيات نسائية أهدت له هذه الأشياء الهامة مثل براتيما والتي يئست من حبه لها ومشروع العيش معه في بيت واحد.. وهو رفيق الذي سيلجأ الى مسلسل “أيام شامية” على الفضائية السورية ثم ليغمض العينين فيتراءى له الأب والأم، ويتذكر دعاء الأم له بأن ييسّر له الله “من هو أحنّ من الأم والأب عليه”.. ليظل رفيق في حلمه مع طفل له لم يولد، ولكنه سيترحم على جده وجدته بعد أن يحكي رفيق له عن بلده البعيد..  !.

أن تميّز القصة القصيرة عند ماهر منزلجي يأتي من خلال قربه شخصيا وهو القاص الحسّاس من مجتمع غربي قد يكون في مرحلة أولى غريبا عليه، فتمكن من التصريح بما لا يصرّح به وكشف المستور كما يقال بلغة سليمة سلسة، أبتعدت عن الوصف والأطناب فيه، لتقص ولتحكي للقاريء الذي يبحث عن الحدث.. وهي لغة ليس فيها سوداوية رغم موضوعات بعض القصص، وليس فيها ما يعبّر عن تحيز في الموقف .. بل أن القاص كما يبدو أحيانا يحاول الوقوف على التل بعد أن قصّ قصته ليرى ماذا سيفعل القاريء الهمام. لقد أحسن منزلجي بأختياره لموضوعة العلاقات الأجتماعية كهّم لقصص مجموعته والتي من خلالها أراد أن يعالج أمراض المجتمع، فكان رسم الصورة السردية عنده واضحا دون تعقيد .. وهو بالتالي رسم للمشاعر والمخاوف والقلق.. أوَ لم يقل شيخ النقّاد العراقيين د. علي جواد الطاهر ” يجب أن يمتلك الروائي أو القاص القدرة على التنبؤ؟.