فايروس الكورونا.. والأقليات العرقية في بريطانيا

كتب الدكتور عامر هشام الصفّار

لن تكون هناك حقائق في العلم دون دراسة وأرقام وأحصائيات تدعم الفرضيات لتكون أمام الناس حقائق علم لا يمكن التشكيك فيها. وقد لوحظ ومنذ بداية أزمة تفشي وباء فايروس الكورونا في بريطانيا وبدء الجهات الصحية المختصة بنشر أرقام الأصابات والوفيات، أن ذوي البشرة السوداء والأقليات الأخرى في بريطانيا أنما هم أكثر عرضة للأصابة بالفايروس أو للأصابة بمضاعفاته والوفاة بسببه.. ومن الملاحظات الأولى التي أصبحت حقائق بعد ذلك، أن الكبر في السن هو عامل خطورة للأصابة بالفايروس، فالذين تجاوزت أعمارهم الثمانين عاما أنما هم 70  مرة أكثر عرضة للوفاة ممن هم أصغر عمرا عند الأصابة بفايروس الكورونا أو الكوفيد 19 كما أصطلح عليه علميا. كما أن هذا الفايروس يميت الذكور أكثر من الأناث، كما أنه يغزو أجسام الفقراء أكثر ويصيب ويميت من الأقليات ومن ذوي البشرة السمراء أو السوداء أكثر.. والأحصائية التي خرجت قبل أيام معدودات بتقرير حكومي رسمي درست حالات الأصابة الخطيرة بالفايروس في مستشفيات بريطانيا.. ولكنها لم تدرس الحالات المرضية التي قد تكون مزمنة عند بعض المصابين بالكورونا بل درست وفصلّت في جنس المرضى وأعمارهم وعرقهم ومناطق سكنهم ومستوى معيشتهم…

ومن المعروف أنه أذا قلّت حالات الأصابة بالمرض بعد كل هذه الأسابيع من بدء أنتشار الوباء، فلابد من التركيز على ما جرى ودراسة مجاميع الناس الذين تأثروا أكثر من غيرهم بالمرض.. وذلك لحمايتهم في حالة حصول موجة وبائية ثانية.

وعودة الى تقرير الحكومة فأننا سنقرأ أن البنغلاديشيّ الأصل من البريطانيين هم أكثر عرضة في بريطانيا للأصابة والوفاة جراء الكورونا وبمعدل الضعف مما هو الحال عند غيرهم، في حين أزدادت النسبة هذه للأصابة والوفاة الى ما بين 10-50% عند الصينيين والهنود والباكستانيين والآسيويين الآخرين وبين الذين هم من منطقة الكاريبي وغيرهم من ذوي البشرة السوداء في بريطانيا.. ولم تأخذ هذه الأحصائيات موضوع طبيعة المهنة والسمنة والمعاناة من أمراض أخرى بالنسبة للأشخاص المصابين بالفايروس بنظر الأعتبار. ولعل دراسة تفصيلية أخرى ستنتبه لهذا الموضوع لعلاقته بالنتائج..

وعند المقارنة بحالات الوفيات في سنوات ماضية ووفيات الحاضر جراء الكورونا، نجد أن هناك زيادة كبيرة في الأرقام وخاصة بين الذين لم يولدوا في داخل بريطانيا أو أيرلندا.. ولعل الزيادة في عدد الوفيات كانت واضحة أكثر عند الناس ( وهم من المولودين أصلا قبل وصولهم بريطانيا والأقامة فيها) في غرب ووسط أفريقيا وفي منطقة الكاريبي وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط أضافة الى جنوب وشرق أفريقيا.

وقد أطلعت مؤخرا على التوصيات الخاصة بالحد من تزايد أعداد الأصابات والوفيات بالكورونا والتي جاء بها تقرير رسمي ملحق لم ينشر مع التقرير الأصلي لأسباب لم يعلن عنها.. حيث جاءت هذه التوصيات من خلال المناقشة والحوار البنّاء مع 4000 جهة مسؤولة في بريطانيا للحد من مضاعفات مرض الكورونا على ذوي البشرة السوداء والأقليات في البلاد..ويبقى التحدي القائم اليوم يدور عن كيفية تطبيق هذه التوصيات وعن السقف الزمني لتفعيلها على أرض الواقع…ولكن المهم في التقرير الملحق هو تأكيد حقيقة أن التمييز بين العاملين في المجال الصحي وبقية مجالات الحياة على أساس العرق كان له علاقته بزيادة حالات الأصابات بالكورونا، حيث جعل هذا الموضوع أي التمييز العرقي العنصري من العديد من هؤلاء الأشخاص يشعرون بأنهم غير قادرين على السؤال والمطالبة العادلة بملابس الوقاية الشخصية من الفايروس مثلا وغيرذلك مما له علاقة بهذا الأمر. بل أن البعض من العاملين من الأقليات في مهن تجعلهم في مواجهة حقيقية مع الفايروس تعاملوا مع موضوعة العرق على أنه وصمة تمنعهم من المطالبة بحقوقهم الكاملة فصاروا في مواجهة الفايروس مباشرة دون توفر أساليب الوقاية منه.  ومن هذه التوصيات التي أشار أليها التقرير الملحق:

.توجيه نصيحة طبية مباشرة تستهدف الأقليات بالذات في البلاد حول الوقاية من فايروس الكورونا مع الأخذ بنظر الأعتبار عرق الشخص والحساسية المرتبطة بهذا الموضوع من حيث العادات والتقاليد.

.على الحكومة الأسراع في جهودها في العمل على تطوير الرعاية الصحية للأقليات في حالة أنتشار الوباء مجددا.

.لابد من تقييم خطورة العاملين في الصحة ومجالات العمل الأخرى من الأقليات واصدار قانون خاص بذلك.. وهذا التقييم يكون مثلا على شكل ملأ أستمارة تقدير خطورة شخصية، مأخوذا بنظر الأعتبار عامل العرق وعوامل أخرى ذات علاقة.. على أن تتخذ الدوائر المعنية أجراءاتها بهذا الخصوص وتحافظ على قوتها العاملة من الأقليات من التعرض مباشرة لمصادر العدوى.. ويخص ذلك أكثر ما يخص العاملين في مجالات العمل التي تجعلهم على تماس مباشر مع رشقات الفايروس من قبل المصابين الآخرين به..

.جمع وتحليل معلومات احصائية كافية بخصوص عرق المريض المصاب بالكورونا ودينه.. فمما يذكر أن عرق المتوفي لا يسجل في شهادة وفاة المتوفين في بريطانيا، مما يجعل جمع المعلومة في هذا المجال صعبا بعض الشيء..

.الأنتباه الى موضوع تمثيل العاملين في الصحة من الأقليات في الأدارات الصحية في البلاد وجعل ذلك ضروريا، مما يمكّن الطبيب أو غيره من العاملين في القطاع الصحي من التعبيرعن آرائهم والتفاعل مع أدارات العمل بشكل أفضل. اضافة الى العمل على قطع دابر التمييز العرقي وعدم المساواة داخل المنظومة الصحية على مختلف مستوياتها، مع التأكيد على ضمان التنوع وأتاحة الفرص لجميع العاملين من الأقليات العرقية في النظام الصحي البريطاني لأن يأخذوا فرصتهم في العمل الأداري والعلمي وكلا حسب كفائته ومهارته.

هذا ويتم هذه الأيام تشكيل لجنة خاصة تابعة لرئاسة الوزراء البريطانية يكون واجبها متابعة التمييز وعدم االمساواة بين المواطنين في مجالات الحياة المختلفة ومنها المجال الصحي والتعليمي…